ابن قتيبة الدينوري
83
الإمامة والسياسة ( بيروت )
قدوم الفتوحات على الوليد بن عبد الملك قال : وذكروا أن خادما للوليد بن عبد الملك بن مروان أخبرهم قال : إني لقريب من الوليد بن عبد الملك ، وبين يديه طشت من ذهب ، وهو يتوضأ منه ، إذ أتى رسول من قبل قتيبة بن مسلم من خراسان بفتح من فتوحاتها ، فأعلمته قال : خذ الكتاب منه ، فأخذه فقرأه ، فما أتى على آخره ، حتى أتى رسول آخر من قبل موسى بن نصير [ ( 1 ) ] ، بفتح السوس من قبل مروان بن موسى ، فأعلمته . قال : هاته ، فقرأه ، فحمد اللَّه ، وخر ساجدا للَّه حامدا ، ثم التفت إليّ قال : أمسك الباب لا يدخل أحد . قال : وكان عنده ابن له يحبو بين يديه . فلما خرّ الوليد ساجدا للَّه شاكرا ، جاء الصبي إلى الطشت فاضطرب فيه وصاح ، فما التفت إليه . 285 قال : وصرت لا أستطيع أن أغيثه لما أمرني به من إمساك الباب ،
--> [ ( 1 ) ] كان الوليد ، بعد وفاة عبد الملك قد كتب بولاية موسى بن نصير إفريقيا والمغرب ، وقطعها عن عمه عبد اللَّه بن مروان ( على قول من قال بولاية عبد اللَّه بن مروان على مصر : البيان المغرب 1 / 41 وقد ذكرنا أنه بعد وفاة عبد العزيز بن مروان ولى عبد الملك ابنه عبد اللَّه بن عبد الملك ) . وكان موسى بن نصير وبعد وفاة عبد العزيز بن مروان ، قد بدأ بمراسلة عبد الملك مباشرة دون الرجوع إلى والي مصر - عبد اللَّه ابنه مما أسخطه عليه فكتب له : أما بعد : فإنك كنت من عبد العزيز وبشر بين مهادين ، تعلو عن الحضيض مهودهما ، ويدفئك دثارهما حتى عفا مخبرك وسمت بك نفسي فلا تحسبني كمن كنت تخلبه وأعداء بيته ، ونقول : أكفياني أكفكما ، ولا كأصبغ كنت تمنيه بكهانتك ، وأيم اللَّه لأضعن منك ما رفعا ، ولأقلن منك ما كثرا . فضح رويدا ، فكأن قد أصبحت سادما ، تعض أناملك نادما . والسلام . فكتب إليه موسى بن نصير : أما بعد . لقد قرأت كتابك ، وفهمت ما وصفت فيه من إركاني إلى أبويك وعمك ولعمري إن كنت لذلك أهلا ، ولو خبرت مني ما خبرا ، لما صغرت مني ما عظما ، ولا جهلت من أمرنا ما علما ، فكيف أتاه اللَّه لك ؟ وأما انتقاصك لهما ، فهما لك وأنت منهما ، ولهما منك ناصر لو قال وجد عليك مقالا ، وكفاك جزاء العاق . فأما ما نلت من عرضي ، فذلك موهوب لحق أمير المؤمنين لا لك . وأما تهددك إياي بأنك واضع مني ما رفعا ، فليس ذلك بيدي ولا إليك ، فارعد وأبرق لغيري وأما ما ذكرت مما كنت آتي به عمك عبد العزيز ، فلعمري إني مما نسبتني إليه من الكهانة لبعيد ، وإني من غيرها من العلم لقريب . فعلى رسلك ، فكأنك قد أظلك البدر الطالع ، والسيف القاطع والشهاب الساطع ، فقد تم لها ، وتمت له ، ثم بعث إليك الأعرابي الجلف الجافي ، فلم تشعر به حتى يحل بعقوتك فيسلبك سلطانك ، فلا يعود إليك ولا تعود إليه ، فيومئذ تعلم أكاهن أم عالم وتوقن أينا النادم ، والسلام . قرأ عبد اللَّه الكتاب ثم أرسله إلى عبد الملك ، فوصل وعبد الملك قد قبض ( ولاة مصر للكندي ص 81 - 82 ) .